فصل: تفسير الآيات رقم (174 - 176)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏169‏]‏

‏{‏رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏169‏)‏‏}‏

‏{‏رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ أي من شؤم عملهم أو الذي يعملونه وعذابه الدنيوي‏.‏ وقيل‏:‏ يحتمل أن يكون دعاء بالنجاة من التلبس بمثل عملهم وهو بالنسبة إلى الأهل دونه عليه السلام إذ لا يخشى تلبسه بذلك لمكان العصمة‏.‏ واعتراض بأن العذاب كذلك إذ لا يعذب من لم يجن وفيه منع ظاهر‏.‏ كيف وقد قال سبحانه‏:‏ ‏{‏واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ قد يدعو المعصوم بالحفظ عن الوقوع فيما عصم عنه كما يدل عليه قوله تعالى‏:‏ حكاية عن إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 35‏]‏ وهو مسلم إلا أن الظاهر أن المراد النجاة مما ينالهم بسبب عملهم من العذاب الدنيوي‏.‏ ويؤيده ظاهر قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏170 - 171‏]‏

‏{‏فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ‏(‏170‏)‏ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

‏{‏فنجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين‏}‏‏.‏

والظاهر أن المراد بأهل بيته‏.‏ وجوز أن يكون المراد بهم من تبع دينه مجازاً فيشمل أهل بيته المؤمنين وسائر من آمن به‏.‏ وقيل‏:‏ لا حاجة إلى هذا التعميم إذ لم يؤمن به عليه السلام إلا أهل بيته‏.‏ والمراد بهذه العجوز امرأته عليه السلام وكانت كافرة مائلة إلى القوم راضية بفعلهم‏.‏ والتعبير عنها بالعجوز للإيماء إلى أنه مما لا يشق أمر هلاكها على لوط عليه السلام وسائر أهله بمقتضى الطبيعة البشرية‏.‏ وقيل‏:‏ للإيماء إلى أنها قد عسيت في الكفر ودامت فيه إلى أن صارت عجوزاً، والغابر الباقي بعد مضي من معه‏.‏ وأنشد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيذلك قول عبيد بن الأبرص‏:‏

ذهبوا وخلفني المخلف فيهم *** فكأنني في الغابرين غريب

والمراد فنجيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلاً عند مشارفة حلوله بهم إلا عجوزاً مقدرة في الباقين في العذاب بعد سلامة من خرج‏.‏ وإنما اعتبر البقاء في العذاب دون البقاء في الدار لما روي أنها خرجت مع لوط عليه السلام فأصابها حجر في الطريق فهلكت، وقيل‏:‏ المراد من الباقين في الدار بناء على أنها لهلاكها كأنها ممن بقي فيها أو أنها خرجت ثم رجعت فهلكت كما في بعض الروايات أو أنها لم تخرج مع لوط عليه السلام أصلاً كما في البعض الآخر منها‏.‏ وقيل‏:‏ الغابر طويل العمر وكأنه إنما أطلق عليه ذلك لبقائه مع مضي من كان معه‏.‏ والمراد وصف العجوز بأنها طاعنة في السن‏.‏ وقرأ عبد الله كما روي عنه مجاهد ‏{‏وواعدنا أن نؤتيه أهله أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏172‏]‏

‏{‏ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏172‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ دَمَّرْنَا الاخرين‏}‏ أهلكناهم أشدا هلاك وأفظعه وكان ذلك الائتفاك‏.‏ والظاهر العطف على ‏{‏نَجَّيْنَا‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 170‏]‏ والتدمير متراخ عن التنجية من مطلق العذاب فلا حاجة إلى القول بأن المراد أردنا تنجيته أو حكمنا بها أو معنى ‏{‏فنجيناه‏}‏ فاستجبنا دعاءه في تنجيته وكل ذلك خلاف الظاهر‏.‏

وجوز الطيبي كون ‏{‏ثُمَّ‏}‏ للتراخي في الرتبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏173‏]‏

‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏173‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا‏}‏ أي نوعا من المطر غير معهود فقد كان حجارة من سجيل كما صرح به في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 82‏]‏‏.‏

وجمع الأمران لهم زيادة في اهانتهم‏.‏ وقيل‏:‏ كان الائتفاك لطائفة والأمطار لأخرى منهم‏.‏ وكانت هذه على ما روي عن مقاتل للذين كانوا خارجين من القرية لبعض حوائجهم ولعله مراد قتادة بالشذاذ فيما روي عنه ‏{‏فَسَاء مَطَرُ المنذرين‏}‏ اللام فيه للجنس وبه يتسنى وقوع المضاف إليه فاعل ساء بناء على أنها بمعنى بئس‏.‏ والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم وإذا لم تكن ساء كذلك جاز كونها للعهد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏174 - 176‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏174‏)‏ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏175‏)‏ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏176‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَ أصحاب لْئَيْكَةِ المرسلين‏}‏ الأيكة الغيضة التي تنبت ناعم الشجر وهي غيضة من ساحل البحر إلى مدين يسكنها طائفة وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام وكان أجنبياً منهم ولذلك قيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏177‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏177‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ‏}‏ ولم يقل أخوهم، وقيل‏:‏ ‏{‏لْئَيْكَةِ‏}‏ الشجر الملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل، وعلى القولين ‏{‏كَذَّبَ أصحاب‏}‏ غير أهل مدين، ومن غريب النقل عن ابن عباس أنهم هم أهل مدين‏.‏

وقرأ الحرميان‏.‏ وابن عامر ‏{‏ليكة‏}‏ بلام مفتوحة بعدها ياء بغير ألف ممنوع الصرف هنا، وفي ص؛ قال أبو عبيدة‏:‏ وجدنا في بعض كتب التفسير أن ‏{‏ليكة‏}‏ اسم للقرية و‏{‏أصحاب لْئَيْكَةِ‏}‏ البلاد كلها كمكة‏.‏ وبكة‏.‏ ورأيتها في الإمام مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه في الحجر و‏{‏ق‏}‏ ‏{‏لْئَيْكَةِ‏}‏ وفي ‏{‏الشعراء وص‏}‏ ‏{‏ليكة‏}‏ واجتمعت مصاحب الأمصار كلها بعد ذلك ولم تختلف، وفي الكشاف من قرأ بالنصب، وزعم أن ‏{‏ليكة‏}‏ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد أليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة هنا وفي ‏{‏العالمين ص‏}‏ بغير ألف، وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف الخط المصطلح عليه وإنما كتبت في هاتين السورتين عل حكم لفظ اللافظ كما يكتب أصحاب النحو الآن لأن والأولى لولى لبيان لفظ المخفف‏.‏ وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على أن ‏{‏ليكة‏}‏ اسم لا يعرف انتهى، وتعقب بأنه دعوى من غير ثبت وكفى ثبتاً للمخالف ثبوت القراءة في السبعة وهي متواترة كيف وقد انضم إليه ما سمعت عن بعض كتبت التفسير‏.‏ وإن لم تعول عليه فما روي البخاري في صحيحه ‏{‏أصحاب لْئَيْكَةِ‏}‏ وليكة الغيضة، هذا وان الأسماء المرتجلة لا منع منها، وفي البحر أن كون مادة لـ ى ك مفقودة في لسان العرب كما تشبث به من أنكر هذه القراءة المتواترة إن صح لا يضر وتكون التكلمة عجمية ومواد كلام العجم مخالفة في كقر مواد كلام العرب فيكون قد اجتمع على منع صرفها العلمية والعجمة والتأنيث، وبالجملة إنكار الزمخشري صحة هذه القراءة يقرب من الردة والعياذ بالله تعالى‏.‏ وقد سبقه في ذلك المبرد‏.‏ وابن قتيبة‏.‏ والزجاج‏.‏ والفارسي‏.‏ والنحاس، وقرىء ‏{‏ليكة‏}‏ بحذف الهمة والقاء حركتها على اللام والجر بالكسرة وتكتب على حكم لفظ اللافظ بدون همزة وعلى الأصل بالهمزة وكذا نظائرها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏178 - 180‏]‏

‏{‏إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ‏(‏178‏)‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ‏(‏179‏)‏ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏180‏)‏‏}‏

‏{‏تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَوْفُواْ الكيل‏}‏ أي أتموه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏181‏]‏

‏{‏أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ‏(‏181‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين‏}‏ أي حقوق الناس بالتطفيف ولعل المبالغة المستفادة من التركيب متوجهة إِلى النهي أو أنه لا يعتبر المفهوم لنحو ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 130‏]‏ وأياً ما كان ففي النهي المذكور تأكيد للأمر السابق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏182‏]‏

‏{‏وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ‏(‏182‏)‏‏}‏

‏{‏وَزِنُواْ‏}‏ الموزونات‏.‏

بالْقسْطَاس الْمُسْتَقيم‏}‏ أي بالميزان السوى، وقيل‏:‏ القسطاس القبان وروي ذلك عن الحسن، وهو عند بعض معرب رومي الأصل ومعناه العدل وروي ذلك عن مجاهد‏.‏ وعند آخرين عربي فقيل‏:‏ هو من القسط ووزنه فعلاع بتكرير العين شذوذاً إذ هي لا تكرر وحدها مع الفصل باللام، وقيل‏.‏ من قسطس وهو رباعي ووزنه فعلال، والمراد الأمر بوفاء الوزن وإتمامه والنهي عن النقص دون انلهي عن الزيادة، والظاهر أنه لم ينه عنها ولم يؤمر بها في الكيل والوزن، وكأن ذلك دليل على أن من فعلها فقد أحسن ومن لم يفعلها فلا عليه‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى ‏{‏‏}‏ أي بالميزان السوى، وقيل‏:‏ القسطاس القبان وروي ذلك عن الحسن، وهو عند بعض معرب رومي الأصل ومعناه العدل وروي ذلك عن مجاهد‏.‏ وعند آخرين عربي فقيل‏:‏ هو من القسط ووزنه فعلاع بتكرير العين شذوذاً إذ هي لا تكرر وحدها مع الفصل باللام، وقيل‏.‏ من قسطس وهو رباعي ووزنه فعلال، والمراد الأمر بوفاء الوزن وإتمامه والنهي عن النقص دون انلهي عن الزيادة، والظاهر أنه لم ينه عنها ولم يؤمر بها في الكيل والوزن، وكأن ذلك دليل على أن من فعلها فقد أحسن ومن لم يفعلها فلا عليه‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى ‏{‏وَزِنُواْ‏}‏ الخ وعدلوا أموركم كلها بميزان العدل الذي جعله الله تعالى لعباده، والظاهر إذ عادل سبحانه به ‏{‏أَوْفُواْ الكيل‏}‏ ما تقدم‏.‏

وقرأ أكر السبعة ‏{‏بالقسطاس‏}‏ بضم القاف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏183‏]‏

‏{‏وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏183‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ‏}‏ أي لا تنقصوهم شيئاً من حقوقهم أي حق كان فإضافة أشياء جنسية ويجوز أن تكون للاستغراق، والمراد مقابلة الجمع بالجمع فيكون المعنى لا تبخسوا أحداً شيئاً، وجوز أن يكون الجمع للإشارة إلى الأنواع فإنهم كانوا يبخسون كل شيء جليلاً كان أو حقيراً، وهذا تعميم بعد تخصيص بعص المراد بالذكر لغاية إنهما كهم فيه، وقيل‏:‏ المراد بأشيائهم الدراهم والدنانير وبخسها بالقط من أطرافها ولولاه لم يجمع‏.‏ وبخس مما يتعدى إلى اثنين فالمنصوبان مفعولاه، وقيل هو متعد لواحد فالثاني بدل استمال ‏{‏وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ‏}‏ بالقتل والغارة وقطع الطريق ونحو ذلك‏.‏ والعثو الفساد أو أشده و«مفسدين» حال مؤكدة، وجوز أن يكون المراد مفسدين آخرتكم فتكون حالا مؤسسة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏184‏]‏

‏{‏وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏184‏)‏‏}‏

‏{‏واتقوا الذى خَلَقَكُمْ والجبلة الاولين‏}‏ أي وذوي الجبلة أي الخلقة والطبيعة أو والمجبولين على أحوالهم التي بنوا عليها وسبلهم التي قيضوا لسلوكها المتقدمين عليكم من الأمم، وجاء في رواية عن ابن عباس أن الجبلة الجماعة إذا كانت عشرة آلاف كأنها شبهت على ما قيل بالقطعة العطيمة من الجبل، وقيل‏:‏ هي الجماعة الكثيرة مطلقاً كأنها شبهت بما ذكر أيضاً‏.‏

وقرأ أبو حصين‏.‏ والأعمش‏.‏ والحسن بخلاف عنه ‏{‏الجبلة‏}‏ بضم الجيم والباء وشد اللام‏.‏ وقرأ السلمي ‏{‏الجبلة‏}‏ بكسر الجيم وسكون الباء كالخلقة، وفي نسخة عنه بفتح الجيم وسكون الباء قيل وتشديد اللام في القراءتين للمبالغة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏185 - 186‏]‏

‏{‏قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ‏(‏185‏)‏ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏186‏)‏‏}‏

‏{‏يُصْلِحُونَ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‏}‏ الكلام فيه نظير ما تقدم في قصة ثمود بيد أنه أدخل الواو بين الجملتين هنا للدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة فيكف إذا اجتمعا وأرادوا بذلك المبالغة في التكذيب، ولم تدخل هناك حيث لم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحراً ثم قرر بكونه بشراً مثلهم كذا في الكشاف، وفي الكشف أن فيه ما يلوح إلى اختصاص كل بموضعه وإن الكلام هنالك في كونه مثلهم غير ممتاز بما يوجب الفضيلة ولهذا عقبوه بقولهم‏:‏ ‏{‏فأت بآيةَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 154‏]‏ فدل على أنهم لم يجعلوا البشرية منافية للنبوة وإنما جعلوا الوصف تمهيداً للاشتراك وأنه أبدع في دعواه، وههنا ساقوا ذلك مساق ما ينافي النبوة فجعلوا كل واحد صفة مستقلة في المنافاة ليكون أبلغ‏.‏ وجعلوا إنكار النبوة أمراً مفروغاً ولذا عقبوه بقولهم‏:‏ ‏{‏وَإِن نَّظُنُّكَ‏}‏ الخ، وقال النيسابوري في وجه الاختصاص إن صالحاً عليه السلام قلل في الخطاب فقللوا في الجواب وأكثر شعيب عليه السلام في الخطاب ولهذا قيل له‏:‏ خطيب الإنبياء فأكثروا في الجواب، ولعله أراد أن شعيباً عليه السلام في الخطاب ولهذا قيل له‏:‏ خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب، ولعله أراد أن شعيباً عليه السلام بالغ في زجرهم فبالغوا في تكذيبه ولا كذلك صالح عليه السلام مع قومه فتأمل، و‏{‏ءانٍ‏}‏ في قوله سبحانه ‏{‏وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين‏}‏ هي المخففة من الثقيلة واللام في ‏{‏لِمَنْ‏}‏ هي الفارقة، وقال الكوفيون‏:‏ إن نافية واللام بمعنى إلا وهو خلاف مشهور أي وإن الشأن نظنك من الكاذبين في الدعوى أو ما نظنك إلا من الكاذبين فيها، ومرادهم أنه عليه السلام وحاشاه راسخ القدم في الكذب في دعواه الرسالة أو فيها وفي دعوى نزول العذاب الذي يشعر به الأمر بالتقوى من التهديد‏.‏

وظاهر حالهم إنهم عنوا بالظن الإدراك الجازم، وقوله عز وجل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏187‏]‏

‏{‏فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏187‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السماء إِن كُنتَ مِنَ الصادقين‏}‏ من الاقتراح الذي تحته كل الإنكار على نحو ‏{‏إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ ولعلهم قابلوا به ما أشعر به الأمر بالتقوى مما ذكرنا، و«كسفا» أي قطعا كما روي عن ابن عباس‏.‏ وقتادة جمع كسفة كقطعة‏.‏

وقرأ الأكثرون «كسفا» بكسر الكاف وسكون السين وهو أيضاً جمع كسفة مثل سدرة وسدر، وقيل‏:‏ الكسف والكسفة كالريع والريعة وهي القطعة، والمراد بالسماء اما المظلمة وهو الظاهر وإما السحاب، والظاهر أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لما قبله وتعلقه بأسقط في غاية السقوط، وجوز عليه أن يراد بالسماء جهة العلو، وجواب أن محذوف دل عليه فأسقط، ومن جوز تقدم الجواب جعله الجواب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏188‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏188‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ رَبّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ أي هو تعالى أعلم بأعمالكم من الكفر والمعاصي وبما تستوجبون عليها من العذاب فسينزله عليكم حسبما تستوجبون في وقته المقدر له لا محالة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏189‏]‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏189‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُ‏}‏ فاستمروا على تكذيبه وكذبوه تكذيباً بعد تكذيب ‏{‏فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة‏}‏ وذلك على ما أخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن املنذر‏.‏، وابن أبي حاتم‏.‏ والحاكم عن ابن عباس أن الله تعالى بعث عليهم حراً شديداً فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواب البيوت فدخل عليهم فخرجوا منها هراباً إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فاظلتهم من الشمس وهي الظلة فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله عز وجل عليهم ناراً فأكلتهم جميعاً‏.‏ وجاء في كثير من الروايات أن الله عز وجل سلط عليهم الحر سبعة أيام ولياليهن ثم كان ما كان من الخروج إلى البرية وما بعده وكان ذلك على نحو ما اقترحوه لا سيما على القول أنهم عنوا بالسماء السحاب، وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم عذاباً آخر غير عذاب الظلة وفي ترك بيانه تعظيم لأمره‏.‏

وقد أخرج ابن جرير‏.‏ والحاكم‏.‏ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة فكذبه، وكأنه أراد بذلك مجموع عذاب الظلة الذي ذكر في الخبر السابق والعذاب الآخر الذي آذنت به الإضافة إلى اليوم ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ أي في الشدة والهول وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏190 - 191‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏190‏)‏ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏191‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم‏}‏ هذا آخر القصص السبع التي سيقت لما علمته سابقاً، ولعل الاقتصار على هذا العدد على ما قيل لأنه عدد تام وأنا أفوض العلم بسر ذلك وكذا العلم بسر ترتيب القصص على هذا الوجه لحضرة علام الغيوب جل شأنه، وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏192‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏192‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين‏}‏ الخ عود لما في مطلع السورة الكريمة من التنويه بشأن القرآن، العظيم، ورد ما قال المشركون فيه فالضمير راجع إلى القررن، وقيل‏:‏ هو تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الأخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله عز وجل، فالضمير لما ذكر من الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص المحكية، وجوز أن يكون للقرآن الذي هي من جملته والأخبار عن ذلك بتنزيل للمبالغة‏.‏ والمراد أنه لمنزل من الله تعالى ووصفه سبحانه بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام تربتيه عز وجل ورأفته بالكل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏193‏]‏

‏{‏نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ‏(‏193‏)‏‏}‏

‏{‏نَزَلَ بِهِ‏}‏ أي أنزله على أن الباء للتعدية‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ وابن عطية‏:‏ هي للمصاحبة والجار والمجرور في مضوع الحال كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 61‏]‏ أي نزل مصاحباً له ‏{‏الروح الامين‏}‏ يعني جبرائيل عليه السلام، وعبر عنه بالروح لأنه يحيى به الخلق في باب الدين أو لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح، ووصف عليه السلام بالأمين لأنه أمين وحيه تعالى وموصله إلى من شاء من عباده جل شأنه من غير تغيير وتحريف أصلاً‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ وأبو بكر‏.‏ وابن عامر ‏{‏نَزَلَ بِهِ الروح الامين‏}‏ بتشديد الزاي ونصب ‏{‏الروح‏}‏ أي جعل الله تعالى الروح الأمين نازلاً به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏194‏]‏

‏{‏عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ‏(‏194‏)‏‏}‏

‏{‏نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ‏}‏ متعلق بنزل لا بالأمين‏.‏ والمراد بالقلب إما الروح وهو أحد اطلاقاته كما قال الراغب‏.‏ وكون الانزال عليه على ما قال غير واحد لأنه المدرك والمكلف دون الجسد‏.‏ وقد يقال‏:‏ لما كان له صلى الله عليه وسلم جهتان جهة ملكية يستفيض بها وجهة بشرية يقيض بها جعل الإنزال على روحه صلى الله عليه وسلم لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يستفيض بها من الروح الأمين‏.‏

وللإشارة إلى ذلك قيل ‏{‏على قَلْبِكَ‏}‏ دون عليك الأخصر‏.‏ وقيل‏:‏ إن هذا لأن القرآن لم ينزل في الصحف كغيره من الكتب، وإما العضو المخصوص وهو الإطلاق المشهور‏.‏ وتخصيصه بالإنزال عليه قيل للإشارة إلى كمال تعلقه صلى الله عليه وسلم وفهمه ذلك المنزل حيث لم تعتبر واسطة في وصوله إلى القلب الذي هو محل العقل كما يقتضيه ظاهر كثير من الآيات والأحاديث ويشهد له العقل على ما لا يخفي على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد‏.‏ وقد أطال في الانتصار لذلك الإمام في تفسيره‏.‏

ورد على من ذهب إلى أن الدماغ محل العقل، وقيل‏:‏ للإشارة إلى صلاح قلبه عليه الصلاة والسلام وتقدسه حيث كان منزلاً لكلامه تعالى ليعلم منه حال سائر أجزائه صلى الله عليه وسلم فإن القلب رئيس جميع الأعضاء وملكها ومتى صلح الملك صلحت الرعية وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ‏"‏، وقد يقال‏:‏ يجوز أن يكون التخصيص لأن الله تعالى جعل لقلب رسوله صلى الله عليه وسلم سمعاً مخصوصاً يسمع به ما ينزل عليه من القرآن تمييزاً لشأنه على سائر ما يسمعه ويعيه على حد ما قيل وذكره النووي في «شرح صحيح مسلم» في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 11‏]‏ من أن الله عز وجل جعل لفؤاده عليه الصلاة والسلام بصراً فرآه به سبحانه ليلة المعراج‏.‏ وهذا كله على القول بأن جبرائيل عليه السلام ينزل بالألفاظ القرآنية المحفوظة له بعد أن نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة أو التي يحفظها من اللوح عند الأمر بالإنزال أو التي يوحي بها إليه أو التي يسمعها منه سبحانه على ما قاله بعض أجلة السلف عنده فيلقيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما هي عليه من غير تغيير أصلاً‏.‏ وكذا على القول بأن جبرائيل عليه السلام ألقى عليه المعاني القرآني وأنه عبر عنها بهذه الألفاظ العربية ثم نزل بها كذلك فألقاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما على القول بأنه عليه السلام إنما نزل بالمعاني خاصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأما على القول بأنه عليه السلام إنما نزل بالمعاني خاصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام وأنه عليه الصلاة والسلام علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب فقيل‏:‏ إن القلب بمعنى العضو المخصوص لا غير وتخصيصه لأن المعاني إنما تدرك بالقوة المودعة فيه، وقيل‏:‏ يجوز أن يراد به الروح وروحه عليه الصلاة والسلام لغاية تقدسها وكمالها في نفسها تدرك المعاني من غير توسط آلة‏.‏ ومن الناس من ذهب إلى هذه الآية دليلاً له وهو قول مرجوح‏.‏ ومثله القول بأن جبرائيل عليه السلام ألقى عليه المعاني فعبر عنها بألفاظ فنزل بما عبر هو به‏.‏ والقول الراجح أن الألفاظ منه عز وجل كالمعاني لا مدخل لجبرائيل عليه السلام فيها أصلاً‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمعها ويعيها بقوى إلهية قدسية لا كسماع البشر إياها منه عليه الصلاة والسلام وتنفعل عنه ذلك قواه البشرية، ولهذا يظهر على جسده الشريف صلى الله عليه وسلم ما يظهر ويقال لذلك‏:‏ برحاء الوحى حتى يظن في بعض الأحايين أنه أغمي عليه عليه الصلاة والسلام‏.‏ وقد يظن أنه صلى الله عليه وسلم أغفى‏.‏

وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم عن أنس قال‏:‏ «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا‏:‏ ما أضحكك يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ أنزل على آنفاً سورة فقرأ‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏{‏إِنَّا أعطيناك الكوثر فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الابتر‏}‏ ‏[‏الكوثر‏:‏ 1 3‏]‏ ولا يحتاج من قال‏:‏ إن الأشبه أن القرآن كله نزل في اليقظة إلى تأويل هذا الخبر عليه الصلاة والسلام خطر له في تلك الإغفاءة سورة الكوثر التي نزلت قبلها في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي أنزلت فيه السورة فقرأها عليهم، ثم إنه على ما قيل من أن بعض القرآن نزل عليه عليه الصلاة والسلام وهو نائم استدلالاً بهذا الخبر يبقى ما قلناه من سماعه عليه الصلاة والسلام ما ينزل إليه صلى الله عليه وسلم ووعيه إياه بقوى إلهية قدسية ونومه عليه الصلاة والسلام لا يمنع من ذلك كيف وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ تنام عيني ولا ينام قلبي ‏"‏

وقد ذكر بعض المتصدرين في محافل الحكمة من المتأخرين في بيان كيفية نزول الكلام وهبوط الوحي من عند الله تعالى بواسطة الملك على قلب النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح الإنساني إذا تجرد عن البدن، وخرج عن وثاقه من بيت قالبه وموطن طبعه مهاجراً إلى ربه سبحانه لمشاهدة آياته الكبرى وتطهر عن درن المعاصي واللذات والشهوات والوساوس العادية والمتعلقات لاح له نور المعرفة والايمان بالله تعالى وملكوته الأعلى وهذا النور إذا تأكد وتجوهر كان جوهراً قدسياً يسمى في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعال وفي لسان الشريعة النبوية بالروح القدسي وبهذا النور الشديد العقلي يتلألأ فيه أسرار ما في الأرض والسماء ويتراءى منه حقائق الأشياء كما يتراءى بالنور الحسي البصري الأشباح المثالية في قوة البصر إذا لم يمنع حجاب، والحجاب ههنا هو آثار الطبيعة وشواغل هذه الأولى فإذا عريت النفس عن دواعي الطبيعة والاشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحس والتخيل وتوجهت بوجهها شطر الحق وتلقاء عالم الملكوت الأعلى اتصلت بالسعادة القصوى فلاح لهاسر الملكوت وانعكس عليها قدس اللاهوت ورأت عجائب آيات الله تعالى الكبرى، ثم إن هذه الروح إذا كانت قدسية شديدة القوى قوية الآثار لقوة اتصالها بما فوقها فلا يشغلها شأن عن شأن ولا يمنعها جهة فوقها عن جهة تحتها فتضبط الطرفين وتسع قوتها الجانبين لشدة تمكنها في الحد المشترك بين الملك والملكوت كالأرواح الضعيفة التي إذا مالت إلى جانب غاب عنها الجانب الآخر وإذا ركنت إلى مشعر من المشاعر ذهلت عن المشعر الآخر وإذا توجهت هذه الروح القدسية التي لا يشغلها شأن عن شأن ولا تصرفها نشأة عن نشأة وتلقت المعارف الإلهية بلا تعلم بشري بل من الله تعالى يتعدى تأثيرها إلى قواها ويتمثل لروحه البشري صورة ما شاهده بروحه القدسي وتبرز منها إلى ظاهر الكون فتتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع والبصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة فيرى ببصره شخصاً محسوساً في غاية الحسن والصباحة ويسمع بسمعه كلاماً منظوماً في غاية الجودة والفصاحة، فالشخص هو الملك النازل بإذن الله تعالى الحامل للوحي الإلهي، والكلام هو كلام الله تعالى وبيده لوح فيه كتاب هو كتاب الله تعالى، وهذا الأمر المتمثل بما معه أو فيه ليس مجرد صورة خيالية لا وجود لها في خارج الذهن والتخيل كما يقوله من لاحظ له من علم الباطن ولا قدم له في أسرار الوحي والكتاب كبعض أتباع المشائين معاذ الله تعالى عن هذه العقيدة الناشئة عن الجهل بكيفية الإنزال والتنزيل ثم قال‏:‏ إنارة قلبية وإشارة عقلية عليك أن تعلم أن للملائكة ذوات حقيقة وذوات إضافية مضافة إلى ما دونها إضافة النفس إلى البدن الكائن في النشأة الآخرة فأما ذواتها الحقيقية فإنما هي أمرية قضائية قولية وأما ذواتها الإضافية فإنما هي خلقية قدرية تنشأ منها الملائكة اللوحية وأعظمهم إسرافيل عليه السلام وهؤلاء الملائكة اللوحية يأخذون الكلام الإلهي والعلوم اللدنية من الملائكة القلمية ويثبتونها في صحائف ألواحهم القدرية الكتابية، وإنما كان يلاقي النبي صلى الله عليه وسلم في معراجه الصنف الأول من الملائكة ويشاهد روح القدس في اليقظة فإذا اتصلت الروح النبوية بعالمهم عالم الوحي الرباني يسمع كلام الله تعالى وهو إعلام الحقائق بالمكالمة الحقيقية وهي الإفاضة والاستفاضة في مقام قاب قوسين أو أدنى وهو مقام القرب ومقعد الصدق ومعدن الوحي والإلهام، وكذا إذا عاشر النبي الملائكة الأعلين يسمع صريف أقلامهم وإلقاء كلامهم وهو كلام الله تعالى النازل في محل معرفتهم وهي ذواتهم وعقولهم لكونهم في مقام القرب، ثم إذا نزل عليه الصلاة والسلام إلى ساحة الملكوت السماوي يتمثل له صورة ما عقله وشاهده في لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح القدرية السماوية ثم يتعدى منه الأثر إلى الظاهر، وحينئذ يقع للحواس شبه دهش ونوم لما أن الروح القدسية لضبطها الجانبين تستعمل المشاعر الحسية لكن لا في الأغراض الحيوانية بل في سبيل السلوك إلى الرب سبحانه فهي تشائع الروح في سبيل معرفته تعالى وطاعته فلا جرم إذا خاطبه الله تعالى خطاباً من غير حجاب خارجي سواء كان الخطاب بلا واسطة أو بواسطة الملك واطلع على الغيب فانطبع في فص نفسه النبوية نقش الملكوت وصورة الجبروت تنجذب قوة الحس الظاهر إلى فوق ويتمثل لها صورة غير منفكرة عن معناها وروحها الحقيقي لا كصورة الأحلام والخيالات العاطلة عن المعنى فيتمثل لها حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها فيرى ملكاً على غير صورته التي كانت له في عالم الأمر لأن الأمر إذا نزل صار خلقاً مقدراً فيرى صورته الخلقية القدرية ويسمع كلاماً مسموعاً بعد ما كان وحياً معقولاً أو يرى لوحاً بيده مكتوباً فالموحى إليه يتصل بالملك أولاً بروحه العقلي ويتلقى منه المعارف الإلهية ويشاهد ببصره العقلي آيات ربه الكبرى ويسمع بسمعه العقلي كلام رب العالمين من الروح الأعظم، ثم إذا نزل عن هذا المقام الشامخ الإلهي يتمثل له الملك بصورة محسوسة بحسبه ثم ينحدر إلى حسه الظاهر ثم إلى الهواء وهكذا الكلام في كلامه فيسمع أصواتاً وحروفاً منظومة مسموعة يختص هو بسماعها دون غيره فيكون كل من الملك وكلامه وكتابه قد تأدى من غيبه إلى شهادته ومن باطن سره إلى مشاعره، وهذه التادية ليست من قبيل الانتقال والحركة للملك الموحى من موطنه ومقامه إذ كل له مقام معلوم لا يتعداه ولا ينتقل عنه بل مرجع ذلك إلى انبعاث نفسي النبي عليه الصلاة والسلام من نشأة الغيب إلى نشأة الظهور، ولهذا كان يعرض له شبه الدهش والغشي ثم يرى ويسمع ثم يقع منه الأنباء والأخبار فهذا معنى تنزيل الكتاب وإنزال الكلام من رب العالمين انتهى‏.‏

وفيه ما تأباه الأصول الإسلامية مما لا يخفى عليك‏.‏ وقد صرح غير واحد من المحدثين والمفسرين وغيرهم بانتقال الملك وهو جسم عندهم ولم يؤول أحد منهم نزوله فيما نعلم، نعم أولوا نزول القرآن وإنزاله‏.‏

قال الأصفهاني في «أوائل تفسيره»‏:‏ اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله تعالى منزل واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال‏:‏ إظهار القراءة، ومنهم من قال‏:‏ إن الله تعالى ألهم كلامه جبريل عليه السلام، وهو في السماء وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان وفي ذلك طريقتان، أحدهما‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه جبريل عليه السلام، وثانيهما‏:‏ أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منه، والأولى أصعب الحالين انتهى؛ وقال الطيبي‏:‏ لعل نزول القرآن على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتلقفه الملك تلقفاً روحانياً أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه‏.‏

وقال القطب في «حواشي الكشاف»‏:‏ الإنزال في اللغة الإيواء وبمعنى تحريك الشيء من علو إلى سفل وكلاهما لا يتحققان في الكلام فهو مستعمل بمعنى مجازي فمن قال‏:‏ القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله أن توجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ‏.‏ ومن قال‏:‏ القرآن هو الألفاظ الدالة على المعنى القائم بذاته تعالى فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسب لكونه مجازاً عن أول المعنيين اللغويين‏.‏

ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ وهذا مناسب للمعنى الثاني، والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم انتهى وفهي بحث لا يخفى، وعندي أن إنزاله إظهاره في عالم الشهادة بعد أن كان في عالم الغيب، ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن جميع القرآن نزل به الروح الأمين على قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم وهذا ينافي ما قيل‏:‏ إن آخر سورة البقرة كلمه الله تعالى بها ليلة المعراج حيث لا واسطة احتجاجاً بما أخرجه مسلم عن ابن مسعود «لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى» الحديث وفيه‏:‏ «فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وأعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله تعالى شيئاً المقحمات»، وأجيب بعد تسليم أن يكون ما ذكر دليلاً لذلك يجوز أن يكون قد نزل جبريل عليه السلام بما ذكر أيضاً تأكيداً وتقريراً أو نحو ذلك، وقد ثبت نزوله عليه السلاة بالآية الواحدة مرتين لما ذكر، وجوز أن تكون الآية باعتبار الأغلب، واعتبر بعضهم كونها كذلك لأمر آخر وهو أن من القرآن ما نزل به إسرافيل عليه السلام وهو ما كان في أول النبوة وفيه أن ذلك لم يثبت أصلاً‏.‏

وفي الإتقان أخرج الإمام أحمد في تاريخه من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال‏:‏ أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه فنزل عليه القرآن على لسانه عشر سنين انتهى، وو صريح في خاف ذلك وإن كان فيه ما يخالف الصحيح المشهور من أن جبريل عليه السلام هو الذي نزل عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي من أول الأمر إلا أنه نزل عليه صلى الله عليه وسلم غيره عليه السلام من الملائكة أيضاً ببعض الأمور، وكثيراً ما ينزلون لتشييع الآيات القرآنية مع جبريل عليه وعليهم السلام‏.‏

ومن الناس من اعتبر كونها باعتبار الأغلب لأن إنزال جبريل عليه السلام قد لا يكون على القلب بناءاً على ما ذكره الشيخ محيى الدين قدس سره في الباب الرابع عشر من الفتوحات من قوله‏:‏ إعلم أن الملك يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي على حالين تارة ينزل بالوحي على قلبه وتارة يأتيه في صورة جسدية من خارج فيلقى ما جاء به إلى ذلك النبي على أذنه فيسمعه أو يلقيه على بصره فيبصره فيحصل له من النظر ما يحصل من السمع سواء‏.‏

وتعقب بأنه لا حاجة إلى ما ذكر، وما نقل عن محيي الدين قدس سره لا يدل على أن نزول الوحي إلى كل نبي يكون على هذين الحالين فيجوز أن يكون نزول الوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قد يكون بتمثل الملك بناء على بعض الأخبار الصحيحة في ذلك لكن لا نسلم أنه يدل على أن نزول الوحي إذا كان الموحى قرآناً يكون على الحال الثانية سلمنا دلالته على ذلك لكن لا نسلم صحة جعله مبني لتأويل الآية، وكيف يؤول كلام الله تعالى لكلام مناف لظاهره صدر من غير معصوم، ويكون محيى الدين قدس سره من علماء الشرعية أن يؤولوا كلامه ليوافق كلام الله عز وجل فيسلم من الطعن، ولعل من يؤول في مثل ذلك يحسن الظن بمحيي الدين قدس سره ويقول‏:‏ إنه لم يقل ذلك إلا لدليل شرعي فقد قال قدس سره في الكلام على الإذن من الفتوحات‏:‏ اعلم أني لم أقرر بحمد الله تعالى في كتابي هذا ولا غيره قد أمراً غير مشروع وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء من تصانيفي، وقال في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الكتاب المذكور جميع ما أتكلم به في مجالسي وتأليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم فإني أعطيت مفاتيم العلم فيه فلا أستمد قط في علم من العلوم إلا منه كل ذلك حتى لا أخرج عن مجالسة الحق تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمنه كلامه سبحانه إلى غير ذلك فالداعي للتأويل في الحقيقة ذلك الدليل لا نفس كلامه قدس سره العزيز وهو اللائق بالمسلمين الكاملين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِتَكُونَ مِنَ المنذرين‏}‏ متعلق بنزل أي نزل به لتنذرهم بما في تضاعيفه من العقوبات الهائلة‏.‏ وإيثار ما في النظم الكريم للدلالة على انتظامه صلى الله عليه وسلم في سلك أولئك المنذرين المشهورين في حقية الرسالة وتقرر العذاب المنذر به، وكذا قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏195‏]‏

‏{‏بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ‏(‏195‏)‏‏}‏

‏{‏بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ‏}‏ متعلق بنزل عند جمع من الأجلة ويكون حينئذ على ما قال الشهاب بدلاً من ‏{‏بِهِ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 193‏]‏ بإعادة العامل، وتقديم ‏{‏لِتَكُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 194‏]‏ الخ للاعتناء بأمر الإنذار ولئلا يتوهم أن كونه عليه الصلاة والسلام من جملة المنذرين المذكورين متوقف على كونه الإنزال بلسان عربي مبين، واستحسن كون الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير ‏{‏بِهِ‏}‏ أي نزل به ملتبساً بلغة عربية واضحة المعنى ظاهرة المدلول لئلا يبقى لهم عذر، وقيل‏:‏ بلغة مبينة لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم على أن ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ من أبان المتعدي، والأول أظهر‏.‏

وجوز أن تعلق الجار والمجرور بالمنذرين أي لتكون من الذين أنذروا بلغة العرب وهم هود‏.‏ وصالح‏.‏ وإسمعيل‏.‏ وشعيب‏.‏ ومحمد صلى الله عليه وسلم، وزاد بعضهم خالد بن سنان‏.‏ وصفوان بن حنظلة عليهما السلام‏.‏ وتعقب بأنه يؤدي إلى أن غاية الإنذار كونه عليه السلام من جملة المنذرين باللغة العربية فقط من هود‏.‏ وصالح‏.‏ وشعيب عليهم السلام، ولا يخفى فساده كيف لا، والطامة الكبرى في باب الإنذار ما أنذره نوح‏.‏ وموسى عليهما السلام، وأشد الزواجر تأثيراً في قلوب المشركين ما أنذره إبراهيم عليه السلام لانتمائهم إليه وادعائهم أنهم على ملته عليه السلام، وذكر بعضهم أن المراد على هذا الوجه أنك أنذرتهم كما أنذر آباؤهم الأولون وأنك لست بمبتدع بهذا فكيف كذبوك، والحق أن الوجه المذكور دون الوجه السابق، وأما أنه فاسد معنى كما يقتضيه كلام المتعقب فلا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏196‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ‏(‏196‏)‏‏}‏

أي وإن ذكر القرآن لفي الكتاب المتقدمة على أن الضمير للقرآن والكلام على حذف مضاف وهذا كما يقال‏:‏ إن فلاناً في دفتر الأمير‏.‏ وقيل‏:‏ المراد وإن معناه لفي الكتب المتقدمة وهو باعتبار الأغلب فإن التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات وكثيراً من المواعظ والقصص مسطور في الكتب السابقة فلا يضران منه ما ليس في ذلك بحسب الظن الغالب كقصة الإفك وما كان في نكاح امرأة زيد وما تضمنه صدر سورة التحريم وغير ذلك‏.‏ واشتهر عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه جوز قراءة القرآن بالفارسية والتركية والهندية وغير ذلك من اللغات مطلقاً استدلالاً بهذه الآية‏.‏ وفي رواية تخصيص الجواز بالفارسية لأنها أشرف اللغات بعد العربية لخبر لسان أهل الجنة العربي والفارسي الدري‏.‏ وفي رواية أخرى أنها إنما تجوز بالفارسية إذا كان ثناء كسورة الإخلاص أما إذا كان غيره فلا تجوز‏.‏ وفي أخرى أنها إنما تجوز بالفارسية في الصلاة إذا كان المصلي عاجزاً عن العربية وكان المقروء ذكراً وتنزيهاً أما القراءة بها في غير الصلاة أو في الصلاة وكان القاريء يحسن العربية أو في الصلاة وكان القارىء عاجزاً عن العربية لكن كان المقروء من القصص والأوامر والنواهي فإنها لا تجوز، وذكر أن هذا قول صاحبيه‏.‏ وكان رضي الله تعالى عنه قد ذهب إلى خلافه ثم رجع عنه إليه‏.‏ وقد صحح رجوعه عن القول بجواز القراءة بغير العربية مطلقاً جمع من الثقات المحققين‏.‏ وللعلامة حسن الشرنبلالي رسالة في تحقيق هذه المسألة سماها النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية فمن أراد التحقيق فليرجع إليها‏.‏ وكان رجوع الإمام عليه الرحمة عما اشتهر عنه لضعف الاستدلال بهذه الآية عليه كما لا يخفى على المتأمل‏.‏

وفي «الكشف» أن القرآن كان هو المنزل للإعجاز إلى آخر ما يذكر في معناه فلا شك أن الترجمة ليست بقرآن وإن كان هو المعنى القائم بصاحبه فلا شك أنه غير ممكن القراءة، فإن قيل‏:‏ هو المعنى المعبر عنه بأي لغة كان قلنا لا شك في اختلاف الأسامي باختلاف اللغات وكما لا يسمى القرآن بالتوراة لا يسمى التوراة بالقرآن فالأسماء لخصوص العبارات فيها مدخل لا أنها لمجرد المعنى المشترك اه، وفيه بحث فإن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 44‏]‏ يستلزم تسميته قرآناً أيضاً لو كان أعجمياً فليس لخصوص العبارة العربية مدخل في تسميته قرآناً، والحق أن قرآناً المنكر لم يعهد فيه نقل عن المعنى اللغوي فيتناول كل مقروء، أما القرآن باللام فالمفهوم منه العربي في عرف الشرع فلخصوص العبارة مدخل في التسمية نظراً إليه، وقد جاء كذلك في الآية الدالة على وجوب القراءة أعني قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏ وبذلك تم المقصود، وجعل من فيه للتبعيض وإرادة المعنى من هذا البعض لا يخفى ما فيه، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بواضح‏.‏ وقرأ الأعمش ‏{‏زُبُرِ‏}‏ بسكون الباء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏197‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏197‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً‏}‏ الهمزة للتقرير أو للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل‏:‏ اغفلوا عن ذلك ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين وإنه لفي زبر الأولين على أن ‏{‏لَهُمْ‏}‏ متعلق بالكون قدم على اسمه وخبره للاهتمام أو بمحذوف هو حال من ‏{‏ءايَةً‏}‏ قدمت عليها لكونها نكرة و‏{‏ءايَةً‏}‏ خبر للكون قدم على اسمه الذي هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن يَعْلَمَهُ مَعِىَ بَنِى إسراءيل‏}‏ لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والعلم بمعنى المعرفة والضمير للقرآن أي ألم يكن لهم آية معرفة علماء بني إسرائيل القرآن بنعوته المذكورة في كتبهم، وعن قتادة أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ العلم على معناه المشهور والضمير للحكم السابق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين نَزَلَ بِهِ الروح الامين على قَلْبِكَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 192 194‏]‏ الخ وفيه بعد كما لا يحفى، وذكر الثعلبي عن ابن عباس أن أهل مكة بعثوا إلى أحبار يثرب يسألونهم عن النبي فقالوا‏:‏ هذا زمانه وذكروا نعته وخلطوا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية في ذلك، وهو ظاهر في أن الضمير له عليه الصلاة والسلام ويؤيده كون الآية مكية‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هي مدنية، وعلماء بني إسرائيل عبد الله بن سلام ونحوه كما روى عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد، وذلك أن جماعة منهم أسلموا ونصوا على مواضع من التوراة والإنجيل فيها ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ علماؤهم من أسلم منهم ومن لم يسلم، وقيل‏:‏ أنبياؤهم فإنهم نبهوا على ذلك وهو خلاف الظاهر، ولعل أظهر الأقوال كون المراد به معاصريه صلى الله عليه وسلم من علماء أهل الكتابين الملسمين وغيرهم‏.‏

وقرأ ابن عامر‏.‏ والجحدري ‏{‏تَكُنْ‏}‏ بالتأنيث و‏{‏ءايَةً‏}‏ بالرفع وجعلت اسم تكن و‏{‏أَن يَعْلَمَهُ‏}‏ خبرها‏.‏ وضعف بأن فيه الاخبار عن النكرة بالمعرفة، ولا يدفعه كون النكرة ذات حال بناء على أحد الاحتمالين في ‏{‏لَهُمْ‏}‏، وجوز أن يكون ‏{‏ءايَةً‏}‏ الاسم و‏{‏لَهُمْ‏}‏ متعلقاً بمحذوف هو الخبر و‏{‏أَن يَعْلَمَهُ‏}‏ بدلاً من الاسم أو خبر مبتدأ محذوف، وأن يكون الاسم ضمير القصة و‏{‏لَّهُمْ ءايَةً‏}‏ مبتدأ وخبر والجملة خبر تكن ‏{‏وَأَنْ يَعْلَمْهُ‏}‏ بدلاً أو خبر مبتدأ محذوف‏.‏ وأن يكون الاسم ضمير القصة و‏{‏ءايَةً‏}‏ خبر ‏{‏أَن يَعْلَمَهُ‏}‏ والجملة خبر تكن وأن تكون تكن تامة و‏{‏ءايَةً‏}‏ فاعلاً و‏{‏أَن يَعْلَمَهُ‏}‏ بدلاً أو خبراً لمحذوف و‏{‏لَهُمْ‏}‏ إماحالاً أو متعلقاً بتكن‏.‏

وقرأ ابن عباس ‏{‏تَكُنْ‏}‏ بالتأنيث و‏{‏ءايَةً‏}‏ بالنصب كقراءة من قراءة ‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ‏}‏ بالتأنيث فتنتهم بالنصب ‏{‏إِلاَّ أَن قَالُواْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 23‏]‏ وكقول لبيد يصف العير والاتان‏:‏

فمضى وقدمها وكانت عادة *** منه إذا هي عردت أقدامها

وذلك إما على تأنيث الاسم لتأنيث الخبر، وإما لتأويل ‏{‏أَن يَعْلَمَهُ‏}‏ بالمعرفة وتأويل أن قالوا بالمقالة وتأويل الإقدام بالمقدمة، ودعوى اكتساب التأنيث فيه من المضاف إليه ليس بشيء لفظ شرطه المشهور‏.‏

وقرأ الجحدري تعلمه بالتأنيث على أن المراد جماعة علماء بني إسرائيل وكتب في المصحف ‏{‏علمؤا‏}‏ بواو بين الميم والألف‏.‏ ووجه ذلك بأنه على لغة من يميل ألف علماء إلى الواو كما كتبوا الصلوة والزكوة والربو بالواو على تلك اللغة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏198‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ‏(‏198‏)‏‏}‏

‏{‏إسراءيل وَلَوْ نزلناه‏}‏ أي القرآن كما هو بمنظمه الرائق المعجز ‏{‏على بَعْضِ الاعجمين‏}‏ الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية، وهو جمع أعجمي كما في التحرير وغيره إلا أنه حذف ياء النسب منه تخفيفاً‏.‏ مثله الأشعرين جمع أشعري في قول الكميت‏:‏

ولو جهزت قافية شرودا *** لقد دخلت بيوت الأشعرينا

وقد قرأه الحسن‏.‏ وابن مقسم بياء النسب على الأصل، وقال ابن عطية‏:‏ هو جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب والعجمي هو الذي نسبته في العجم خلاف العرب وإن كان أفصح الناس انتهى‏.‏

واعترض بأن أعجم مؤنثه عجماء وأفعل فعلاء لا يجمع جمع سلامة، وأجيب بأن الأعجم في الأصل البهيمة العجماء لعدم نطقها ثم نقل أو تجوز به عما ذكر وهو بذلك المعنى ليس له مؤنث على فعلاء فلذلك جمع جمع السلامة، وتعقب بأنه قد صرح العلامة محمد بن أبي بكر الرازي في كتابه «غرائب القرآن» بأن الأعجم هو الذي لا يفصح والأنثى العجماء ولو سلم أنه ليس له بذلك المعنى منؤنث فالأصل مراعاة أصله‏.‏ وفيه أن كون ارتفاع المانع لعارض مجوزاً مما صرح به النحاة‏.‏ ثم إن كون أفعل فعلاء لا يجمع جمع سلامة مذهب البصريين‏.‏ والقراء‏.‏ وغيره من الكوفيين يجوزونه فلعل من قال‏:‏ إنه جمع أعجم قاله بناء على ذلك‏.‏ وظاهر الجمع المذكور يقتضي أن يكون المراد به العقلاء، وعن بعضهم أنه جمع أعجم مراداً به ما لا يعقل من الدواب العجم وجمع جمع العقلاء لأنه وصف بالتنزيل عليه وبالقراءة في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏199‏]‏

‏{‏فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ‏(‏199‏)‏‏}‏

‏{‏فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم‏}‏ فإن الظاهر رجوع ضمير الفاعل إلى بعض الأعجمين وهما من صفات العقلاء، والمراد بيان فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة كأنه قيل‏:‏ ولو نزلناه بهذا النظم الرائق المعجز على من لا يقدر على التكلم بالعربية أو على ما ليس من شأنه التكلم أصلاً من الحيوانات العجم ‏{‏فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم‏}‏ قراءة صحيحة خارقة للعادة ‏{‏مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏}‏ مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء، وقيل‏:‏ المراد بالأعجمين جمع أعجم أعم من أن يكون عاقلاً أو غيره، ونقل ذلك الطبرسي عن عبد الله بن مطعي، وذكر أنه روى عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية وهو على بعير فأشار إليه وقال‏:‏ هذا من الأعجمين‏.‏ والطبري على ما في البحر يروي نحو هذا عن ابن مطيع، والمراد أيضاً بيان فرط عنادهم، وقيل‏:‏ هو جمع أعجم مراداً به ما لا يعقل وضمير الفاعل في ‏{‏قرأه‏}‏ للنبي صلى الله عليه وسلم وضمير ‏{‏سَوَاء عَلَيْهِمْ‏}‏ لبعض الأعجمين وكذا ضمير ‏{‏كَانُواْ‏}‏ والمعنى لو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم فقرأه محمد صلى الله عليه وسلم على أولئك البهائم ما كانوا أي أولئك البهائم مؤمنين به فكذلك هؤلاء لأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، ولا يخفى ما فيه، وقيل‏:‏ المراد ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين لعدم فهمهم ما فيه، وأخرج ذلك عبد الرزاق‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن جرير عن قتادة وهو بعيد عما يقتضيه مقام بيان تماديهم في المكابرة والعناد واستند بعضهم بالآية عليه في منع أخذ العربية في مفهوم القرآن إذ لا يتصور على تقدير أخذها فيه تنزيله بلغة العجم إذ يستلزم ذلك كون الشيء الواحد عربياً وعجمياً وهو محال‏.‏

وأجيب بأن ضمير ‏{‏نزلناه‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 198‏]‏ ليس راجعاً إلى القرآن المخصوص المأخوذ في مفهومه العربية بل إلى مطلق القرآن ويراد منه ما يقرأ أعم من أن يكون عربياً أو غيره، وهذا نحو رجوع الضمير للعام في ضمن الخاص في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏ الآية فإن ضمير عمره راجع إلى شخص بدون وصفه بمعمر إذ لا يتصور نقص عمر المعمر كما لا يخفى‏.‏

وقال بعضهم في الجواب‏:‏ إن الكلام على حذف مضاف، والمراد ‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا‏}‏ معناه بلغة العجم على بعض الأعجمين فتدبر؛ وفي لفظ ‏{‏بَعْضُ‏}‏ على كل الأقوال إشارة إلى كون ذلك المفروض تنزيله عليه واحداً من عرض تلك الطائفة كائناً من كان و‏{‏بِهِ‏}‏ متعلق بمؤمنين، ولعل تقديمه عليه للاهتمام وتوافق رؤس الآي‏.‏

والضمير في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏200‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏200‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين‏}‏ على ما يقتضيه انتظام الضمائر السابقة واللاحقة في سلك واحد للقرآن وإليه ذهب الرماني‏.‏ وغيره، والمعنى على ما قيل مثل ذلك السلك البديع المذكور سلكناه أي أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين ففهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه خارج عن القوى البشرية وقد انضم إليه علم أهل الكتابين بشأنه وبشارة الكتب المنزلة بإنزاله فقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏201‏]‏

‏{‏لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ‏(‏201‏)‏‏}‏

‏{‏حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم‏}‏ الملجىء إلى الايمان به وحينئذ لا ينفعهم ذلك‏.‏

والمراد بالمجرمين المشركون الذين عادت عليهم الضمائر من ‏{‏لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَكَانُواْ‏}‏ وعدل عن ضميرهم إلى ما ذكر تأكيداً لذمهم، وقال الزمخشري في معنى ذلك‏:‏ أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم وهكذا مكناه وقررناه فيها وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها فكيف ما فعل بهم وصنع، وعلى أي وجه دبر أرهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 7‏]‏ موقع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ الخ مما قبله موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثباته مكذباً مجحوداً في قلوبهم فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد‏.‏ ويجوز أن يكون حالاً أي سلكناه فيها غير مؤمن به اه‏.‏

وتعقب بأن الأول هو الأنسب بمقام بيان غاية عنادهم ومكابرتهم مع تعاضد أدلة الإيمان وتناجد مبادىء الهداية والإرشاد وانقطاع أعذارهم بالكلية، وقد يقال‏:‏ إن هذا التفسير أوفق بتسليته صلى الله عليه وسلم التي هي كالمبنى لهذه السورة الكريمة وبها صدرت حيث قال سبحانه‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 3‏]‏ كأنه جل وعلا بعد أن ذكر فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة وهو تفسير واضح في نفسه فهو عندي أولى مما تقدم‏.‏

وفي المطلع أن الضمير للتكذيب والكفر المدلول عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 199‏]‏ وبه قال يحيى بن سلام، وروي عن ابن عباس‏.‏ والحسن، والمعنى كذلك سلكنا التكذيب بالقرآن والكفر به في قلوب مشركي مكة ومكناه فيها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ الخ واقع موقع الإيضاح لذلك ولا يظهر على هذا الوجه كونه حالاً ولا أرى لهذا المعنى كثرة بعد عن قول من قال أي على مثل هذا السلك سلكنا القرآن وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه في قلوبهم، وحاصل الأول كذلك سلكنا التكذيب القرآن في قلوبهم‏.‏

وحاصل هذا وكذلك سلكنا القرآن بصفة التكذيب به في قلوبهم فتأمل، وجوز جعل الضمير للبرهان الدال عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِى إسراءيل‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 197‏]‏ وهو بعيد لفظاً ومعنى، هذا وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمجرمين غير الكفرة المتقدمين الذين عادت عليهم الضمائر وهم مشركو مكة من المعاصرين لهم وممن يأتي بعدهم وذلك إشارة إلى السلك في قلوب أولئك المشركين أي مثل ذلك السلك في قلوب مشركي مكة سلكناه في قلوب المجرمين غيرهم لاشتراكهم في الوصف، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ الخ بيان لحال المشركين المتقدمين الذين اعتبروا في جانب المشبه به أو إيضاح لحال المجرمين وبيان لما يقتضيه التشبيه وهو كما ترى؛ ونقل في «البحر» عن ابن عطية أنه أريد مجرمي كل أمة أي إن سنة الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب فلا ينفعهم الإيمان بعد تلبس العذاب بهم، وهذا على جهة المثال لقريش أي هؤلاء كذلك، وكشف الغيب بما تضمنته الآية يوم بدر انتهى، وكأنه جعل ضمير ‏{‏سَلَكْنَاهُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 200‏]‏ لمطلق الكفر لا للكفر بالقرآن، وضمير ‏{‏بِهِ‏}‏ لله تعالى أو لما أمروا بالإيمان به للقرآن وإلا فلا يكاد يتسنى ذلك، وعلى كل حال لا ينبغي أن يعول عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏202‏]‏

‏{‏فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏202‏)‏‏}‏

‏{‏فَيَأْتِيَهُم‏}‏ أي العذاب ‏{‏بَغْتَةً‏}‏ أي فجأة ‏{‏وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ أي بإتيانه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏203‏]‏

‏{‏فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ‏(‏203‏)‏‏}‏

‏{‏فَيَقُولُواْ‏}‏ أي تحسراً على ما فات من الإيمان وتمنياً للإمهال لتلافي ما فرطوه ‏{‏هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ‏}‏ أي مؤخرون، والفاء في الموضعين عاطفة وهي كما يدل عليه كلام الكشاف للتعقيب الرتبي دون الوجودي كأنه قيل‏:‏ حتى يكون رؤيتهم للعذاب الأليم فما هو أشد منها وهو مفاجأته فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة نظير ما في قولك إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله تعالى، فلا يرد أن البغث من غير شعور لا يصح تعقبه للرؤية في الوجود، وقال سربى الدين المصري عليه الرحمة في توجيه ما تدل عليه الفاء من التعقيب‏:‏ إن رؤية العذاب تكون تارة بعد تقدم أماراته وظهور مقدماته ومشاهدة علاماته وأخرى بغتة لا يتقدمها شيء من ذلك فكانت رؤيتهم العذاب محتاجة إلى التفسير فعطف عليها بالفاء التفسيرية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَأْتِيهِمُ بَغْتَةً‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 202‏]‏ وصح بينهما معنى التعقيب لأن مرتبة المفسر في الذكر أن يقع بعد المفسر كما فعل في التفصيل بالقياس إلى الإجمال كما يستفاد من تحقيقات الشريف في «شرح المفتاح»‏.‏ ويمكن أن تكون الآية من باب القلب كما هو أحد الوجوه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 4‏]‏ للمبالغة في مفاجأة رؤيتهم العذاب حتى كأنهم رأوه قبل المفاجأة‏.‏ والمعنى حتى يأتيهم العذاب الأليم بغتة فيروه انتهى‏.‏ وجعلها بعضهم للتفصيل، واعترض على ما قال صاحب الكشاف بأن العذاب الأليم منطو على شدة البغت فلا يصح الترتيب والتعقيب الرتبي وهو وهم كما لا يخفى‏.‏

والظاهر أن جملة ‏{‏وهم لا يشعرون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 202‏]‏ حال مؤكدة لما يفيده ‏(‏بغتة‏)‏‏}‏ فإنها كما قال الراغب مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب‏.‏

ثم إن هذه الرؤية وما بعدها إن كانت في الدنيا كما قيل فإتيان العذاب الأليم فيها بغتة مما لا خفاء فيه لأنه قد يفاجئهم فيها ما لم يكن يمر بخاطرهم على حين غفلة‏.‏ وإن كانت في الآخرة فوجه إتيانه فيها بغتة على ما زعمه بعضهم أن المراد به أن يأتيهم من غير استعداد له وانتظار فافهم، واختار بعضهم أن ذلك أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة‏.‏

وقرأ الحسن‏.‏ وعيسى ‏{‏تَأْتِيَهُمُ‏}‏ بتاء التأنيث، وخرج ذلك الزمخشري على أن الضمير للساعة وأبو حيان عن أنه للعذاب بتأويل العقوبة، وقال أبو الفضل الرازي‏:‏ للعذاب وأنث لاشتماله على الساعة فاكتسى منها التأنيث وذلك لأنهم كانوا يسألون عذاب القيامة تكذيباً بها انتهى وهو في غاية الغرابة وكأنه اعتبر إضافة العذاب إلى الساعة معنى بناءً على أن المراد بزعمه حتى يروا عذاب الساعة الأليم، وقال‏:‏ باكتسائه التأنيث منها بسبب إضافته إليها لأن الإضافة إلى المؤنث قد تكسي المضاف المذكر التأنيث كما في قوله‏:‏

كما شرقت صدر القناة من الدم *** ولم أر أحداً سبقه إلى ذلك‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏بَغْتَةً‏}‏ بالتحريك، وفي حرف أبي رضي الله تعالى عنه ‏{‏الله بَغْتَةً‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏204‏]‏

‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏204‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ أي يطلبونه قبل أوانه وذلك قولهم‏:‏ ‏{‏أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏‏.‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏فائتنا بما تعدنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 70‏]‏ ونحوهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏205‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ‏(‏205‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ‏}‏ أي فأخبر ‏{‏إِن متعناهم سِنِينَ‏}‏ أي مدة من الزمان بطول الأعمار وطيب المعاش أو عمر الدنيا على ما روي عن عكرمة‏.‏ وعبر عن ذلك بما ذكر إشارة إلى قلته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏206‏]‏

‏{‏ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ‏(‏206‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ‏}‏ أي الذين كانوا يوعدونه من العذاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏207‏]‏

‏{‏مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ‏(‏207‏)‏‏}‏

‏{‏مَا أغنى عَنْهُمْ‏}‏ أي أي شيء أو أي غناء أغنى عنهم ‏{‏مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ‏}‏ أي كونهم ممتعين ذلك التمتيع المديد على أن ما مصدرية كما هو الأولى أو الذي كانوا يمتعونه من متاع الحياة الدنيا على أنها موصولة حذف عائدها‏.‏ وأياً ما كان فالاستفهام للنفي والإنكار‏.‏

وقيل‏:‏ ما نافية أي لم يغن عنهم ذلك في دفع العذاب أو تخفيفه، والأول أولى لكونه أوفق لصورة الاستخبار وأدل على انتفاء الإغناء على أبلغ وجه وآكده وفي ربط النظم الكريم ثلاثة أوجه كما في «الكشاف»، الأول‏:‏ أن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 205‏]‏ الخ متصل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 203‏]‏ وقوله جل وعلا‏:‏ ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 204‏]‏ معترض للتبكيت وإنكار أن يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها، والمعنى على هذا كما في «الكشف» أنه لما ذكر أنهم لا يؤمنون دون مشاهدة العذاب قال سبحانه‏:‏ إن هذا العذاب الموعود وإن تأخر أياماً قلائل فهو لاحق بهم لا محالة وهنالك لا ينفعهم ما كانوا فيه من الاغترار المثمر لعدم الإيمان، وأصل النظم الكريم لا يؤمنون حتى يروا العذاب وكيت وكيت فإن متعناهم سنين ثم جاءهم هذا العذاب الموعود فأي شيء أو فأي غناء يغني عنهم تمتيعهم تلك الأيام القلائل فجىء بفعل الرؤية والاستفهام ليكون في معنى أخبر إفادة لمعنى التعجب والإنكار وأن من حق هذه القصة أن يخبر بها كل أحد حتى يتعجب‏.‏

ووسط ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 204‏]‏ للتبكيت والهمزة فيه للإنكار، وجىء بالفاء دلالة على ترتبه على السابق كأنه لما وصف العذاب قيل‏:‏ أيستعجل هذا العذاب عاقل‏.‏ وفي «الإرشاد» اختيار أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 105‏]‏ متصل بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 203‏]‏ وجعل الفاء لترتيب الاستخبار على ذلك القول وهي متقدمة على الهمزة معنى وتأخيرها عنها صورة لاقتضاء الهمزة الصدارة وإن ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 204‏]‏ معترض للتوبيخ والتبكيت وجعل الفاء فيه للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند نزول العذاب الأليم فيستعجلون بعذابنا وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون الخ، وصاحب الكشف بعد أن قرر كما ذكرنا قال‏:‏ إن العطف على مقدر في هذا الوجه لا وجه له، ولعل المنصف يقول‏:‏ لكل وجهة‏.‏

والثاني‏:‏ أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ كلام يوبخون به يوم القيامة عند قولهم فيه ‏{‏هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ‏}‏ حكى لنا لطفاً ‏{‏ويستعجلون‏}‏ عليه في معنى استعجلتم إذ كذلك يقال لهم ذلك اليوم، وكأن أمر الترتيب أو العطف على مقدر، وارتباط ‏{‏اتقى أَفَرَأَيْتَ‏}‏ الخ بقولهم‏:‏ ‏{‏هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ‏}‏ على نحو ما تقدم في الوجه السابق‏.‏

والثالث‏:‏ أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ متصل بما بعده غير مترتب على ما قبله وذلك أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة‏.‏ وأمن فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ أشراً وبطراً واستهزاءً واتكالاً على الأمل الطويل ثم قال سبحانه‏:‏ هب أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينعهم حينئذٍ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم‏.‏

وعلى هذا يكون ‏{‏فبعذابنا‏}‏ الخ عطفاً على مقدر بلا خلاف نحو أيستهزؤن ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ‏}‏ الخ تعجباً من حالهم مترتباً على الاستهزاء والاستعجال، والكلام نظير ما تقول لمخاطبك‏:‏ هل تغتر بكثرة العشائر والأموال فأحسب أنها بلغت فوق ما تؤمل أليس بعده الموت وتركهما على حسرة‏.‏

وهذا الوجه أظهر من الوجه الذي قبله، وأياً ما كان فقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بعذابنا‏}‏ متعلق بيستعجلون قدم عليه للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به عذابه جل جلاله مع ما فيه على ما قيل من رعاية الفواصل‏.‏ وقرىء ‏{‏كَانُواْ يُمَتَّعُونَ‏}‏ من الإمتاع وفي الآية موعظة عظيمة لمن له قلب‏.‏ روي عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له‏:‏ عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية فقال ميمون‏:‏ لقد وعظت فأبلغت‏.‏